الشنقيطي
413
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ [ البقرة : 61 ] الآيات . وذلك من العيش الضنك بسبب الإعراض عن ذكر اللّه . وبيّن في مواضع أخر أنّهم لو تركوا الإعراض عن ذكر اللّه فأطاعوه تعالى - أن عيشهم يصيروا واسعا وغدا لا ضنكا ، كقوله تعالى : وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ [ المائدة : 66 ] الآية ، وقوله تعالى : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ [ الأعراف : 96 ] الآية ، وكقوله تعالى عن نوح : فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً ( 10 ) يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً ( 11 ) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً ( 12 ) [ نوح : 10 - 12 ] ، وقوله تعالى عن هود : وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ [ هود : 52 ] الآية ، وقوله تعالى : وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً ( 16 ) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ [ الجن : 16 - 17 ] الآية ، إلى غير ذلك من الآيات . وعن الحسن أن المعيشة الضنك : هي طعام الضريع والزّقّوم يوم القيامة وذلك مذكور في آيات من كتاب اللّه تعالى ، كقوله : لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ ( 6 ) [ الغاشية : 6 ] الآية ، وقوله : إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ الآية ونحو ذلك من الآيات . وعن عكرمة والضحاك ومالك بن دينار : المعيشة الضنك : الكسب الحرام ، والعمل السيّىء . وعن أبي سعيد الخدري وعبد اللّه بن مسعود وأبي هريرة : المعيشة الضنك : عذاب القبر وضغطته . وقد أشار تعالى إلى فتنة القبر وعذابه في قوله يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ ( 27 ) [ إبراهيم : 27 ] . قال مقيده عفا اللّه عنه وغفر له : قد جاء عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من حديث أبي هريرة : أن المعيشة الضنك في الآية : عذاب القبر . وبعض طرقه بإسناد جيد كما قاله ابن كثير في تفسير هذه الآية . ولا ينافي ذلك شمول المعيشة الضنك لمعيشته في الدنيا . وطعام الضريع والزّقّوم . فتكون معيشته ضنكا في الدنيا والبرزخ والآخرة ، والعياذ باللّه تعالى . قوله تعالى : وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى ( 124 ) [ 124 ] . ذكر جلّ وعلا في هذه الآية الكريمة : أنّ من أعرض عن ذكره يحشره يوم القيامة في حال كونه أعمى . قال مجاهد وأبو صالح والسدّي : أعمى أي لا حجّة له . وقال عكرمة : عمى عليه كلّ شيء إلّا جهنّم ؛ وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك : أن من أنواع البنان التي تضمنها أن يقول بعض العلماء في الآية قولا ، ويكون في نفس الآية قرينة تدلّ على خلاف ذلك القول . وقد ذكرنا أمثلة متعددة لذلك . فإذا علمت ذلك - فاعلم أن في هذه الآية الكريمة قرينة دالّة على خلاف قول مجاهد وأبي صالح والسدّي وعكرمة . وأن المراد بقوله أَعْمى أي أعمى البصر لا يرى شيئا . والقرينة المذكورة هي قوله تعالى :